محمد بن الطيب الباقلاني
199
إعجاز القرآن
آياته ، وينزل لكم من السماء رزقا ، وما يتذكر إلا من ينيب ) ( 1 ) . وإنما ذكر هذين الامرين اللذين يختص بالقدرة عليهما ، لتناسبهما في أنهما من تنزيله من السماء ، ولان الرزاق الذي لو لم ( 2 ) يرزق لم يمكن بقاء النفس ، تجب طاعته والنظر في آياته . / ثم قال : ( فادعوا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون ، رفيع الدرجات ذو العرش ، يلقى الروح من أمره على من يشاء من عباده ، لينذر يوم التلاق ، يوم هم بارزون لا يخفى على الله منهم شئ ، لمن الملك اليوم ؟ لله الواحد القهار ) ( 3 ) . قف على هذه الدلالة ( 4 ) ، وفكر فيها ، وراجع نفسك في مراعاة معاني هذه الصفات العالية ، والكلمات السامية ، والحكم البالغة ، والمعاني الشريفة - تعلم ورودها عن الإلهية ، ودلالتها على الربوبية ، وتتحقق أن الخطب المنقولة عنهم ، والاخبار المأثورة في كلماتهم الفصيحة ، من الكلام الذي تعلق به الهمم البشرية ، وما تحوم عليه الأفكار الآدمية ، وتعرف مباينتها لهذا الضرب من القول . أي خاطر يتشوف إلى أن يقول : ( يلقى الروح من أمره على من يشاء من عباده ، لينذر يوم التلاق ، يوم هم بارزون ) ؟ وأي لفظ يدرك هذا المضمار ؟ وأي حكيم يهتدى إلى ما لهذا من الغور ؟ وأي فصيح يهتدى إلى هذا النظم ؟ ثم استقرئ الآية إلى آخرها ، واعتبر كلماتها ، وراع بعدها قوله : ( اليوم تجزى كل نفس بما كسبت ، لا ظلم اليوم ، إن الله سريع الحساب ) ( 5 ) . / من يقدر على تأليف هذه الكلمات الثلاث ، على قربها ، وعلى خفتها في النظم وموقعها من القلب ؟
--> ( 1 ) سورة غافر : 13 ( 2 ) م : " الذي لم " ( 3 ) سورة غافر : 14 - 16 ( 4 ) م : " الآية " ( 5 ) سورة غافر : 17